|
| يوجد حاليا, 30 ضيف/ضيوف 0 عضو/أعضاء يتصفحون الموقع.
أنت غير مسجل لدينا. تستطيع التسجيل مجانا بالضغط هنا |
|  |
تمثال المتنبي ينهض من سباته قراءة في قصيدة (القمر الاسمر )لخالدة خليل /د.ثائر العذاري
صفحة للطباعة
|
في عددها الصادر في 29/1/2010 نشرت الزمان الدولية نصا نثريا لخالدة خليل هو ((القمر الأسمر لم يشرق الليلة ))، يتميز بلغة عالية الكثافة اعتمادا علي تكنيكات كثيرا ما تشتغل عليها قصيدة النثر وقد رأينا أن من النافع النظر في النص للكشف عن تلك التكنيكات. وأول مظاهر النص بناء تعالق فريد بين البعد الزمني للقراءة وبعد مكاني
يتخلل إحالاته الدلالية، فبينما يتدرج القارئ في النص من البداية يجد نفسه
خلال اتجاهه نحو النهاية متنقلا بين أرجاء العراق وسطا وجنوبا وشمالا. غير
أن هذا التنقل ينطوي علي صور غير متوقعة للأماكن المذكورة، إذ تظهر غارقة
بالسلبية والاستلاب، والواقع أن النص مبني من بدايته علي هذه السلبية:
القمر الاسمرفي صوتك لم يشرق علي شرفة اشتياقي الليلة تركتني امام ثعابين القلق تلدغني ثمة
خدعة كبيرة هنا تستخدمها خالدة خليل للإيقاع بالقارئ تحت وطأة الشعور
بالاستلاب، فالسطر الأول الذي يرسم صورة توحي ببداية نص غزلي تقليدي يأتي
موزونا ويعِدُ بقصيدة تفعيلة غزلية تقليدية، لكن سرعان ما يأتي السطر
التالي ليسلب كل عناصر التوقع، فبشكل مفاجئ يتم تحطيم الوزن بسطر نثري،
زيادة علي كون السطر ذاته مبنيا من جملة منفية تشير الي تواري ذلك القمر
وافتقاده. وفي الأسطر التالية تتوالي أفعال السلب: أصرخ في صمت وطني فيك او فيك وطني لا فرق حين قلت لي: احبك حطت النوارس علي شطآن الأمان لكن ظلك اختفي فجأة بين نحيب النخيل والبرتقال فالصرخة
سلبية أو مسلوبة، وحين يلتحم الحبيب والوطن فيكونان شيئا واحدا يكون غياب
أحدهما غياب الآخر بالضرورة، فالوطن وأمان النوارس والنخيل والبرتقال كلها
عناصر مسلوبة بغياب ذلك القمر. من المهم هنا أن نلاحظ أن كلمتي (النخل)
و(البرتقال) - اللتان تختتم بهما خالدة المقطع الأول- يحيلان، في الوعي
العراقي، علي مكانين متباعدين في العراق وربما يشيران إلي إثنيتين
مختلفتين، فالنخيل مرتبط بالبصرة كارتباط البرتقال بديالي. وهذا التشفير
في آخر المقطع هو الذي سينقل القارئ فيما يأتي من النص إلي ذلك التنقل
المكاني الذي أشرنا إليه، ليأتي كل مقطع من المقاطع الثلاثة التالية
مرتبطا بمدينة عراقية رمزية. تتخذ خالدة من ثلاثة تماثيل معروفة في
العراق مفاتيح دلالية ً؛ المتنبي في بغداد والسياب في البصرة وأبي تمام في
الموصل، وثمة شفرة مهمة هنا حيث تمتزج ثلاثة عناصر دلالية في كلمة واحدة
الشخصية الحقيقية للشاعر وشخصية أخري مفترضة له والمدينة التي يقع فيها
التمثال: يومها شاهدتُ تمثالَ المتنبي ينهضُ من سباته الطويل ورابتُ سيف قصائده يغور في خاصرةِ المغول الجدد تنبتُ علي جبينه كثبانُ أرق يخضّر الكافور وتتناسلُ علي الشجر غربان الغدر ليل ونهار لايلتقيان نحن والامان ثمة
إشارات مكثفة ترسم صورة قلقة، فـ(سيف قصائده) الذي طالما تباهي به يبدو
هنا في قيامة المتنبي الجديدة سيفا حقيقيا يغور في خاصرة المغول الجدد،
ليكشف أن (سباته الطويل) لم يكن سباتا بل كان (كثبان أرق)، فهل المتنبي
(التمثال) قادر علي الغلبة؟ حين يخضرّ الكافور يكون الجواب بالنفي.
فالكافور مادة لتجهيز الأموات قبل الدفن، وهو كافور الأخشيدي الذي يرتبط
اسمه هو الآخر في معرض الحديث علي المتنبي بالموت، فأول كلام قاله المتنبي
في ذكره: كفي بك داء أن تري الموت شافيا وحسب المنايا أن يكنّ أمانيا المتنبي التمثال ثائر مستلب مستسلم للموت في مدينة مستلبة. وفي المقطع الثالث يُنقل القارئ إلي البصرة ليجد نفسه في مواجهة قيامة تمثال آخر: هربتُ إلي البصرة كان تمثال السياب يخطوفوق الدبابات و الأباتشي تحوم فوق صدره ينادي: ايوب يا أيوب، مثقلا بأغلال الحزن ينادي، أنت يا وطني اقتادوك نحو ظلام هاوية هذه نبوءتك الحزينة وهذا هو جيكور يئن تبدو
قيامة السياب شبيهة بقيامة المتنبي، فأيوب الذي ناداه في حياته من أجل
نفسه يناديه تمثاله من أجل وطن مستلب ومدينة ثانية مستلبة تنبأ لها يوما
(نبوءة حزينة) وربما أحجم عن نشرها خوفا من أن تصدق، قال: الظلال المقمرات الشحب والسكون الخائف المضطرب غابة ثكلي ... وأشباح حزاني.. وجذوع كلها كانت زمانا وجذوع في غد تلتهب... وفي المقطع الأخير ننتقل إلي المدينة المستلبة الثالثة: في الموصل يلف ابو تمام عباءته علي خاصرةِ الريح ويتفقد بأصابع حنينه جرح ليل المدينة علي كل ندبة يضع قصيدة لتخرج من كل جرح زنبقة ثم يمضي وسط الجثث وسط قيامة التماثيل واوجاع ليال المدن أبو
تمام الذي عُرِف بالأناقة والوسامة، يضطر تمثاله إلي التخلي عن (العباءة)
رمز أناقته وهويته ليحاول أن يمسك المستحيل، فالموت في كل مكان ووجع جراح
مدينته لا تضمده القصائد. في هذا النص تشحن الكلمات بشحنات دلالية
كبيرة تستمدها من تاريخها في الوعي الجمعي العراقي العربي، مثل كتل الجليد
الكبيرة التي تصادف البحارة في المحيطات، إذ لا يبرز منها فوق الماء إلا
ثمنها، وعلي القبطان أن يتنبأ بشكل الأثمان السبعة الأخري الغاطسة تحت
الماء، فحين يذكر سيف المتنبي بالطريقة التي ذكر فيها في النص فعلي القارئ
أن يستدعي في ذاكرته تاريخ ذلك السيف الذي كان في صبا المتنبي: سأطلب حقي بالقنا ومشايخ كأنهمُ من طول ما التثموا مردُ وأصبح في كهولته: فالخيل والليل والبيداء تعرفني والرمح والسيف والقرطاس والقلم ثم كانت النهاية به إذ صار فخره بالسيف سببا لموته. ومثل هذه الكلمات: بأي آياتٍ أهدئ مقلتيكِ وعلي دفاتري دموعكِ ما تزال تتناثر خدشتكِ انياب الحروب أمن رحم رمادٍ أم من طيف جبّةٍ فالكلمتان
(رماد) و(جبة) ثلاجات بحرية أخري، إذ تشير الأولي إلي الأسطورة القديمة عن
طائر العنقاء أو الفينيق الذي يحترق ثم ينهض من رماده، والثانية تحيل علي
رمز عراقي آخر، (الحلاج) الذي ترتبط جبته بالخلود إذ آمن بوحدة الوجود
ورأي أنه بعض من الذات الإلهية (الله في جبتي). لقد سقنا هذه الكلمات الثلاثة للتوضيح لا الحصر فالنص مليء بمثل هذا التوظيف الذي تصبح الكلمة المفردة فيه رمزا لرمز: الرماد - العنقاء - الخلود الجبة - الحلاج - الخلود وفي
النص انزياحات مهمة لا تؤدي وظيفتها الشعرية حسب بل تقود إلي انزياحات
دلالية مؤثرة في فهمه، فالقمر أسمر لأنه من الشرق، وهو (في صوتك) لأن
العلاقة بين الحبيبين لا تعدو كونها علاقة عبر الهاتف، ولذا فهي فريسة
لتشويش الرادارات: يشهق صوتك تشهق الكلمات ترتعش حبال الهاتف في قبضة الرادارات ويمكن
أن نلاحظ استخدام خالدة خليل الفعل يشرق للقمر بينما التعبير المعتاد
استخدام الفعل يطلع لأن الإشراق للشمس وحدها، وهنا إنزياح دلالي مهم آخر
ففي ليل دائم يتقمص القمر الأسمر شخصية الشمس ويكسبه من يراه صفاتها. ثمة
فهم أولي بسيط للنص لكنه يقود إلي فهم بنائه، فهي حبيبة تنتظر اتصال
حبيبها، لكن الانتظار يطول فتأخذها سنة ونوم لتجوب روحها المدن المستلبة
ولا تفيق الا صباحا فبينما القمر الأسمر: لم يشرق علي شرفة اشتياقي الليلة (هذه الليلة) يتغير البعد الزماني في السطر الأخير: مازلت افتش عن كفكَ حبيبي قيل لي إنها الآن تلم ما تناثر من حلم الليلة الماضية لتصبح
الليلةُ ماضيةً، لكن من المهم أن نلاحظ أن المقاطع الأربعة بقدر ما كانت
تبدو بنيات دلالية مغلقة، كان الحبيب هو الحاضر فيها دائما، ويمكن أن
نتصور النص مبني من ثلاثة مستوِيات (بالمعني الهندسي) متوازية فوق بعضها
هي مقاطع المدن الثلاثة، بينما يمثل المقطع الأول (صورة الحبيب الصوتية)
عمودا يخترق المستويات الثلاثة ليربط بينها ويحافظ علي توازيها.
صفحة للطباعة
| | |
|
| |